الأخبار المحلية

العودة إلى مقار الجامعات السودانية. بين استحقاق الوطن وواقع الأستاذ الجامعي.

بروفيسور بله احمد بلال

رسالة مفتوحة إلى معالي وزير التعليم العالي والبحث العلمي والسادة مديري الجامعات السودانية. مع خالص التقدير والاحترام.

في الوقت الذي تتجه فيه الجامعات السودانية نحو العودة إلى مقارها واستعادة نشاطها الأكاديمي. يبرز سؤال مهم لا يتعلق بمبدأ العودة نفسه. وإنما بكيفية جعل هذه العودة ممكنة ومستقرة وقابلة للاستمرار.
لا أحد ينكر أن عودة الجامعات إلى مقارها تمثل ضرورة لاستعادة الحياة الأكاديمية. ولا أحد يقلل من أهمية أن تستعيد مؤسسات التعليم العالي دورها في إعداد الكوادر. وإنتاج المعرفة. وخدمة المجتمع. والمساهمة في إعادة بناء السودان.
لكن الجامعة ليست مباني وقاعات فقط. الجامعة إنسان قبل أن تكون مكانا”. وهي أستاذ وطالب وباحث وموظف وبيئة علمية متكاملة. ولذلك فإن نجاح العودة لا يقاس بفتح أبواب المباني وحدها. وإنما بقدرة الإنسان الذي يعمل ويدرس فيها على الاستقرار والاستمرار والعطاء.
وهنا تأتي قضية الأستاذ الجامعي.
فالأستاذ الذي غادر مكان إقامته بسبب الحرب لم يغادر في كثير من الحالات باختياره. ولم يكن يبحث عن فرصة أفضل. وإنما دفعته ظروف قاسية إلى النزوح والابتعاد عن بيته وجامعته ومجتمعه.
هناك أستاذ فقد قريبا” أو أكثر من أفراد أسرته. وهناك من فقد منزله وممتلكاته ومصدر استقراره ونزح من مدينة إلى أخرى. أو من ولاية إلى أخرى. أو إلى خارج البلاد. وكل ذلك لم يكن خيارا” شخصيا” وإنما كان استجابة لظروف استثنائية فرضتها الحرب.
ولهذا فإن العودة بالنسبة إلى الأستاذ ليست مجرد رحلة إلى مقر الجامعة. إنها عودة إلى حياة تحتاج إلى إعادة ترتيب كاملة.
فهو يحتاج إلى السكن ويحتاج إلى تأمين احتياجات أسرته. ويحتاج إلى توفير وسائل النقل. ويحتاج إلى إعادة ترتيب أوضاع أبنائه. ويحتاج إلى مواجهة تكاليف الحياة التي ارتفعت بصورة كبيرة. وفي المقابل فإن دخله لم يعد قادرا” بالضرورة على مواكبة هذه المتطلبات.
ومن الإنصاف أن ننظر إلى هذه الحقيقة بعين واقعية.
الأستاذ الجامعي ليس بعيدا” عن الأزمة الاقتصادية. وهو يعيش الظروف نفسها التي يعيشها المجتمع. وقد يكون مطالبا” بالوصول يوميا” إلى الجامعة في وقت أصبحت فيه تكلفة المواصلات عبئا” حقيقيا. وقد يحتاج إلى استئجار مسكن في مدينة أخرى. وقد يجد أن راتبه لا يغطي سلعة واحدة من ضروريات الحياة قبل أن يصل إلى مكان عمله.
ومع ذلك فإن كثيرا” من الأساتذة يواصلون أداء رسالتهم. ويستجيبون لواجبهم تجاه جامعاتهم وطلابهم. لأن ارتباط الأستاذ بجامعته ليس علاقة وظيفية فقط. وإنما علاقة علمية وإنسانية ووطنية.
من هنا فإن منح الأستاذ الذي لم يتمكن من العودة بسبب ظروف الحرب فترة انتقالية لترتيب أوضاعه لا ينبغي أن يُفهم باعتباره تراجعا” عن العودة. بل يمكن أن يكون جزءا” من سياسة العودة نفسها.
فالأستاذ خلال هذه الفترة يستطيع أن يواصل التدريس. والإشراف. والتقييم. والأنشطة الأكاديمية عبر الوسائل الإلكترونية حيث تسمح طبيعة المقرر والتخصص بذلك. ويمكن للجامعة أن تضع آليات واضحة للمتابعة والتقييم. وبذلك يستمر التعليم في الوقت الذي يحصل فيه الأستاذ على فرصة لترتيب ظروفه والعودة عندما تصبح العودة ممكنة.
وهذا يقودنا بصورة طبيعية إلى التعليم المدمج.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن التعليم الجامعي يستطيع أن يستفيد من أكثر من وسيلة. وأن العلاقة بين الأستاذ والطالب لا تتوقف بالضرورة عند حدود القاعة الدراسية. فالمحاضرة يمكن أن تكون حضورية عندما يكون الحضور ضروريا”. ويمكن أن تكون إلكترونية عندما تسمح طبيعة المادة بذلك. ويمكن أن يجتمع الأسلوبان في مقرر واحد وفق الحاجة.

ولذلك فإن التعليم المدمج يمكن أن يمثل أحد الحلول العملية للمرحلة الحالية.
يمكن للجامعة أن تخصص أياما” محددة للمحاضرات الحضورية. ويمكن تجميع المحاضرات في أيام تقلل عدد مرات انتقال الأستاذ والطالب. ويمكن تقديم المحاضرات النظرية والمواد المساندة إلكترونيا”. بينما تظل الأنشطة العملية والتدريبية والاختبارات واللقاءات التي تتطلب الحضور المباشر في الجامعة.
بهذا الأسلوب لا نتخلى عن التعليم الحضوري. ولا نغلق الباب أمام التعليم الإلكتروني. وإنما نستخدم كل وسيلة في المكان الذي تكون فيه ملائمة.

والطالب أيضا” يجب أن يكون حاضرا” في هذه المعادلة.
فإذا كان الأستاذ يواجه ارتفاع تكاليف المواصلات والسكن. فإن الطالب وأسرته يواجهون الظروف الاقتصادية نفسها. وربما تكون أعباؤهم أكبر. وقد يكون الطالب مسؤولا” عن توفير مصروف الدراسة والتنقل في وقت تعاني فيه الأسرة من ضغوط اقتصادية كبيرة.
ومن هنا فإن تنظيم الدراسة بطريقة تراعي هذه الظروف ليس ترفا” إداريا:. وإنما جزء من ضمان استمرار العملية التعليمية.

إننا نحتاج في هذه المرحلة إلى قدر أكبر من المرونة. وإلى الانتقال من فكرة القرار الواحد الذي يطبق بالطريقة نفسها على الجميع. إلى إدارة أكثر قدرة على مراعاة اختلاف الجامعات والتخصصات والطلاب والأساتذة.
كما نحتاج إلى الاستماع إلى الميدان.
فالتقارير الإدارية تظل مهمة لصناعة القرار. لكنها لا تستطيع وحدها أن تنقل كل التفاصيل. وهناك فرق بين أن تصل المعلومة في تقرير مكتبي. وأن يسمع المسؤول مباشرة من الأستاذ الذي يحاول العودة. ومن الطالب الذي يحاول الوصول إلى جامعته. ومن الأسرة التي تتحمل تكاليف ذلك.
إن الاستماع إلى أصحاب الشأن لا يعني الاعتراض على القرار. ولا يعني التقليل من جهود الوزارة أو إدارات الجامعات. وإنما يعني توسيع دائرة المعرفة بالواقع. وكلما كان القرار مبنيا” على معلومات أكثر شمولا”. كانت فرص نجاحه أكبر.
ولهذا فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى حوار مؤسسي مستمر بين وزارة التعليم العالي والجامعات وأعضاء هيئة التدريس والطلاب.
حوار لا يهدف إلى تعطيل العودة. وإنما إلى إنجاحها.
وحوار لا يبحث عن طرف يتحمل المسؤولية. وإنما يبحث عن حلول قابلة للتطبيق.
وحوار يضع أمام صانع القرار الصورة الكاملة. بما فيها الصعوبات التي قد لا تظهر في التقارير الرسمية.
ومن المهم كذلك أن تكون العودة قابلة للمراجعة والتطوير. فالظروف التي نعيشها ليست ثابتة. وما يناسب مرحلة معينة قد يحتاج إلى تعديل في مرحلة أخرى. ولذلك فإن التقييم الدوري لتجربة العودة يمكن أن يساعد الجامعات على معالجة المشكلات قبل أن تتراكم.
إن العودة إلى الجامعات ينبغي أن تكون عودة تدريجية في مفهومها. مرنة في أدواتها. واضحة في أهدافها. ومراعية للظروف الإنسانية والاقتصادية التي يعيشها المجتمع الجامعي.
ولا يعني ذلك تأجيل استعادة الجامعات لدورها. بل يعني استعادة هذا الدور بطريقة أكثر واقعية.
فالجامعة التي يعود إليها الأستاذ وهو عاجز عن تحمل تكاليف حياته. والجامعة التي يصل إليها الطالب بصعوبة بسبب تكاليف المواصلات. والجامعة التي تعمل بمنظومة لا تراعي المتغيرات التي فرضتها الحرب. تحتاج إلى معالجة تتجاوز مجرد قرار العودة.
نحن بحاجة إلى عودة مختلفة. عودة تستفيد من التجربة. وتجمع بين الحضور والتعليم الإلكتروني. وتمنح الأستاذ والطالب مساحة من المرونة. وتفتح قنوات مباشرة للحوار. وتراجع نفسها باستمرار.
*معالي وزير التعليم العالي والبحث العلمي. السادة مديرو الجامعات* السودانية.

انا اكتب إليكم من موقع التقدير للمسؤولية التي تحملونها. ومن الإيمان بأن التعليم العالي يمثل إحدى أهم ركائز مستقبل السودان.
ونحن لا نطلب من الأستاذ أن يتخلى عن واجبه. وإنما نطلب أن نساعده على أداء واجبه.
ولا نطلب إلغاء التعليم الحضوري. وإنما نطلب أن نستخدم التعليم الحضوري والتعليم الإلكتروني معًا بما يخدم الطالب والأستاذ والجامعة.
ولا نطلب تعطيل العودة. وإنما نطلب أن تكون العودة قابلة للحياة.
فقد تعود المباني في يوم واحد. لكن استعادة الحياة الأكاديمية تحتاج إلى وقت. وتحتاج إلى إنسان قادر على العطاء.
إن الأستاذ الذي فقد بيته يحتاج إلى فرصة ليعيد بناء حياته. والأستاذ الذي نزح يحتاج إلى وقت ليعيد ترتيب أسرته. والأستاذ الذي يريد العودة يحتاج إلى أن يعرف أنه لن يعود وحده لمواجهة أعباء لا يستطيع تحملها.
والطالب الذي يريد مواصلة تعليمه يحتاج كذلك إلى جامعة تراعي ظروفه. وتبحث عن الوسائل التي تساعده على الوصول والاستمرار.
إن مسؤولية المرحلة لا تقع على الأستاذ وحده. ولا على الطالب وحده. ولا على إدارة الجامعة وحدها. وإنما هي مسؤولية مشتركة تتطلب قدرا” من المرونة والتفاهم وحسن تقدير الواقع.
والعودة الناجحة لا تعني أن نرى الأساتذة والطلاب داخل المباني فقط. وإنما أن نرى التعليم مستمرا”. والبحث العلمي متصلا”. والطالب يتعلم. والأستاذ يؤدي رسالته. والجامعة تستعيد دورها في المجتمع.
هذه هي العودة التي نحتاج إليها.
عودة تستعيد الإنسان قبل المبنى.
وتستعيد الرسالة قبل الشكل.
وتعيد للجامعة مكانتها باعتبارها مؤسسة للعلم والمعرفة وبناء المستقبل.
فالسودان لا يحتاج فقط إلى جامعات مفتوحة الأبواب. وإنما يحتاج إلى جامعات حية. وإلى أساتذة قادرين على العطاء. وإلى طلاب قادرين على مواصلة تعليمهم.
ومن هنا فإن دعوتنا ليست ضد العودة. وإنما هي من أجل عودة أكثر قدرة على الاستمرار.
فلنجعل من هذه المرحلة فرصة لإعادة التفكير في شكل التعليم الجامعي. ولنجمع بين ما كان قائما” وما فرضته الظروف الجديدة. ولنجعل التكنولوجيا وسيلة مساندة. والتعليم الحضوري أساسا” حيث يكون ضروريا”. والتعليم المدمج خيارا” عمليا: حيث يكون مناسبا”.
ولنجعل صوت الأستاذ والطالب حاضرا” في صناعة القرار.
فحين نضع الإنسان في قلب العودة. تصبح عودة الجامعات أكثر من عودة إلى المباني.
تصبح عودة للحياة الأكاديمية.
وعودة للعلم.
وعودة للأمل.
والله من وراء القصد.

مرسال نيوز

تهدف مرسال نيوز إلى أن تكون الخيار الأول للقراء الذين يبحثون عن الأخبار الصحيحة والشاملة. تسعى المنصة إلى تقديم محتوى غني بالمعلومات يغطي مختلف المجالات مثل السياسة، الاقتصاد، الثقافة، والرياضة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى